!-- Facebook card username meta -->

القائمة الرئيسية

الصفحات

حفنة من تراب


 خذ بيدك حفنة من تراب الحديقة و انظر إليها,ماذا عساها أن تكون؟

قد تقول إن اللأمر سهل للغاية, فهي لا تعدو جزءاً من تربة الأرض التي تخرج منها الحشائش أو غيرها من النباتات بطريقة غامضة أثناء الربيع.

بيد أن ذلك أبعد ما يكون عن الحقيقة, فكل حفنة تراب إنما تشبه الآلة الحاسبة و المعقدة إلى حد بعيد, إذ يتم فيها تغيرات بعيدة المدى, و عظيمة التركيب, و هامة بصفة مستمرة.

و عندما نختبر تلك الحفنة من تراب الأرض بدقة , نرى أعظم ألوان النشاط عجباً, تقوم به كائنات حية مثل الديدان و الحشرات و البكتيريا و الفطريات, كما تشارك فيه جذور النباتات و المياه و الهواء و غيره من الغازات.

في الواقع, إن تلك الطرق و الوسائل الهائلة التي تعمل في صمت من غير توقف, هي التي تُمكن الإنسان من العيش.

طبقة من تراب تفيض بالحياة

إذا ما انتزعت الثلاثين سنتيمتراً العليا من أرض الحديقة, ثم عمدت إلى بذر الحبوب مباشرة في الطبقة السفلى التي تم تعريتها, فسنجد :-

  • أن عدداً قليلاً من البادرات هو الذي ينمو بينما لا تنمو أي حبة قمح, و لا بارقة للحشائش, بل و لا حتى العشب الذي قد يوجد حيثما تنتشر الحجارة في التربة.
  • في مقدورك أن تبادر إلى ريها و تسميدها, و مع ذلك تظل قاحلة.

فما هو السر؟

السر أنك عندما تكشف طبقات التربة السفلى, فإنها لا تصبح خصبة حتى يتم حرث الأرض إلى عمق كبير بواسطة محاريث قوية تسحبها الجرارات, و مع ذلك, فإن هذا العمل لا يمكن أن يُثمر إلا بعد مضي الوقت الكافي لكي تُنجز البكتيريا و الديدان و الحشرات أعمالها.

و هذا هو السبب في أنه عندما يحفر البستاني أرضه إلى عمق كبير, فإنه يحرص دائماً على أن يرى الطبقة العليا من التربة قد أُبدل بها غيرها من أسفل.

نحن عندما نعمد إلى إزالة الثلاثين سنتيمتراً العليا من الأرض, إنما نزيل في نفس الوقت ( آلة ) التربة المثمرة, التي تضم بين طياتها الدبال أو تراب المواد العضوية المتحللة, و تلك المواد هي أهم عامل في خصوبة التربة.

الإنسان إنما يعيش على حساب الطبقة العليا من التربة, إذ تمده بالقمح و الحنطة و الشعير و و سائر الحبوب و كل أنواع الخضر التي يأكلها, ثم بالحشائش اللازمة لأنعامه.

و يتم في هذه الطبقة كذلك إنتاج الغذاء اللازم للنباتات.

التراب و خليط عظيم التباين

إذا ما حللنا حفنة تراب مأخوذة من الثلاثين سنتيمتراً الأولى من تربة الحديقة, يتبين لنا أن تلك الحفنة التي نمر عليها مر الكرام, هي في الواقع خليط غني معقد من :-

  1. المعادن
  2. المواد العضوية

حيث أن المواد المعدنية تنجم عن التحلل الآلي ( الميكانيكي ) و الكيميائي للصخور المختلفة, بينما تنجم المواد العضوية عن تحلل مخلفات كل من الحيوان و النبات.

كيف تكونت التربة

تكونت التربة نتيجة عملية طويلة:-

  1. منذ آلاف السنين لم يكن لحفنة التراب أي وجود.
  2. بعد ذلك تضافرت عدة عوامل قوامها المطر و الرياح و الثلج و الحرارة و حامض الكربونيك في الهواء و جذور النباتات على تفتيت صخور الجبال.
  3. راحت صخور الجبال المتفتتة تنقسم إلى مقادير هائلة من الحصى و الحبيبات و الرمل و إلى أجزاء دقيقة من أتربة الصخور و الطين و الطمى , و من هنا المرحلة التي بدأ فيها تكوين حفنة التراب.
  4. تم حمل البكتيريا و غيرها من الكائنات المجهرية الحيوانية و النباتية بواسطة الهواء و الماء, لتستقر بين جسيمات أجزاء الصخور الدقيقة, لكي تبدأ عملها في تحليل المواد المعدنية إلى مواد كيميائية أكثر تعقيداً.
  5. على هذا النحو, ظهرت بالتدريج المادة الرائعة التي تتكون منها حفنة التراب هذه في كل مكان.

التربة حية

ثمة شيء واضح تماماً, و هو أن خصوبة الأرض تنجم عن عدد وفير من الأشياء الحية, سواء الحيوانية أو النباتية التي تعيش في الأرض .

و هناك إلى جانب الحشرات و الديدان و كائنات التربة الدقيقة مستعمرات من ملايين الكائنات العضوية المجهرية التي على غرار وحيدة الخلية و الطحالب و الفطريات و على الأخص البكتيريا.

هذه الأنواع اللانهائية من صور الحياة, إنما تجعل التربة تبدو كأنما هي معمل للكيمياء يستمر فيه العمل بنشاط متزايد و نظام محكم في سبيل منفعة البشر.

حتى بعد أن تتم تلك الكائنات عملها و تموت, فإن أجسامها تتحلل و تُضيف إلى الدبال أو تراب المواد العضوية المتحللة مقادير جديدة تزيد من محتويات التربة من المواد العضوية.
 

 

المصدر: مجلة المعرفة عدد رقم 13 بتاريخ 24/6/1971م.

تعليقات